
حسن غريب أحمد
روائي قاص ناقد شاعر
تأتي القصة القصيرة «ذهول» للكاتبة السورية سُمية جمعة كصرخة مكتومة في وجه الخراب الإنساني، وهي نصٌّ سردي ينهض على مفارقة الوجود بين الحياة والموت، البقاء والفناء، والذاكرة والنسيان.
يُفتتح النص بعبارة كثيفة المعنى: “كلنا على سفر”، وهي جملة تلخّص الوجود الإنساني كله، وتغدو مفتاحًا دلاليًا يفتح باب القصة على رمزية النزوح الأبدي الذي تعانيه الأرواح قبل أن تعانيه الأجساد.
1. البنية السردية: من الواقعي إلى الرمزي
ينطلق السرد من مشهد مألوف في الحروب: نزوح جماعي، انكسار جماعي، لكن الكاتبة لا تكتفي بالمشهد الإخباري أو التصوير الخارجي، بل تتسلل إلى الداخل الإنساني لتكشف عن مأساة الجدّ، هذا الرمز الجمعي الذي يمثل الجذر والأرض والذاكرة. رفضه الرحيل لا يُقرأ فقط كعناد شيخٍ عجوز، بل كتمسّكٍ رمزي بالهوية والوطن والذاكرة الجمعية.
هنا ينتقل السرد من الواقعية إلى الرمزية الوجودية، حيث يتحول المكان المدمّر إلى مرآة داخلية لانكسار الروح البشرية.
2. اللغة والصورة الشعرية
لغة “سُمية جمعة” لغة شعرية كثيفة تتجاوز التقرير إلى التجسيد البصري والحسي، فالأفعال تتوهج بالحياة حتى في الموت:
«عيناه تتنقل كفراشة احترق جناحاها»
تشبيه بليغ يختصر حال الإنسان المحاصر بين الضوء والاحتراق، بين الرغبة في البقاء والاستسلام للموت.
كذلك قولها:
«البيوت صارت أشبه بالصناديق الكرتونية التي تعبث بها الرياح»
تجسيد دقيق لفراغ المعنى والهوية بعد الدمار، فالمكان يفقد صلابته، ويغدو هشًّا ككرتون تُعبث به الريح — رمزية فقدان الجذور.
3. البطل والرمز
الجد هنا ليس شخصية فردية، بل هو رمز للوطن الباقي رغم الخراب. النخلة اليتيمة التي تظل شامخة بجواره هي استعارة موازية له، تمثل صموده، وتعيد إنتاج المعنى في كل مقطع من النص. في النهاية حين يتكوّم تحتها، تصبح النخلة شاهدة القبر والأمل معًا، فهي الحارس الأخير للذاكرة.
4. البعد الإنساني والفلسفي
الكاتبة تشتبك مع الوجود الإنساني في لحظة عريه التام؛ الجوع، الخوف، الوحدة، الموت، ثم تضع القارئ أمام السؤال الأكبر:
ماذا يعني أن تبقى حيًّا بعد أن تفقد كل شيء؟
في لحظة الحوار الداخلي حين يقول:
«لا.. لستُ وحيدًا! كل هذا الخراب هو ملكي الآن!»
يتحوّل البطل من ضحية إلى مالكٍ للعدم، ومن منفيٍّ إلى سيّد الخراب.
هنا تبلغ القصة ذروتها الفلسفية — إذ يصبح التملّك الرمزي للخراب شكلاً من أشكال التماهي الوجودي مع المصير.
5. النهاية المأساوية: اكتمال الدائرة
النهاية التي يدوّي فيها الانفجار الأخير لتغيب الصورة على يد زوجته التي تهدهده، تحمل استرجاعًا ذكيًا للحياة السابقة، وكأن الموت لا يأتي كقَطع، بل كعودة إلى الحلم الأول. هذه النهاية تحقق وحدة عضوية للنص وتغلق الدائرة السردية بإيقاع حزين رصين.
6. القيمة الفنية
ما يميز القصة هو الاتزان بين السرد والشعر، بين الواقعية القاسية والتأمل الوجداني، وبين الصورة الحسية والفكرة الرمزية. السرد يتنفس بإيقاع هادئ، لكنه يخفي تحت هدوئه توترًا داخليًا يعبّر عن عمق الفقد والذهول، وهو ما جعل العنوان نفسه «ذهول» يعبّر عن حالة الوعي الجمعي بعد الصدمة.
آخر الكلام:
«ذهول» نصّ إنساني يتجاوز الحرب السورية ليصبح شهادة على الإنسان في أقصى ضعفه وأقصى قوّته في آنٍ واحد.
بلغةٍ مشبعة بالشعر، ورؤيةٍ عميقة تلامس الفلسفة الوجودية، تؤكد سُمية جمعة حضورها ككاتبة قادرة على أن تصوغ من الرماد نصًّا حيًّا نابضًا بالدهشة والوجع.